طرأ على ذهني هذا السؤال السمج أكثر من مرة ومنذ عامي الأول في الكلية، نظراً لأننا لا نسأل قبل أن ندخل وإن سألنا لما وجدنا سوى بعض الانطباعات من هذا الطبيب أو ذاك،كل حسب تجربته، والطريف أننا نتفاوت تفاوتا كبيرا في رؤانا لنفس الشيء ونفس المنهج ونفس المنهجية بالرغم من أننا جميعا نحمل نفس الوصمة...طبيب!
لم أكن افهم لماذا أحفظ وأحفظ واستظهر كل هذه الكيلوغرامات من الورق المحشو والملون لأتقيأه في ورقة الامتحان واستعمال بعض التكتيكات في الامتحانات الشفهية للمرور للعام التالي، ثم نكرر نفس المسرحية الهزلية في العام التالي للمرور وهكذا في هذه المجرة المسماة (درب الحمير)، على غرار درب التبانة (المجرة الكونية التي تضم الأرض). لماذا كل هذا لما يفترض أنه في الأخير "عمل إنساني" و"ملاك رحمة"، إلى آخر هذه المثاليات التي حشينا بها حتى التخمة قبل الدخول إلى كلية الطب.
في بداية أي من محاضرات ادوار الطبيب اسأل الحضور دائما "لماذا دخلت كلية الطب؟" وتتفاوت الإجابات لكن ما يجمعها هو كونها عبارات ضبابية عن "نفع المجتمع"، و"خدمة الناس"، و"كسب الأجر"، أو حتى إجابات من قبيل "مجموعي كان أعلى من أن ادخل أي كلية أخرى"، أو "أمي أرادت أن تراني طبيباً"... كلنا تقريبا تتراوح إجابتنا في هذا الطيف، وهذه كانت نفس الإجابات التي سأجبيها لو أني سئلت هذا السؤال قبل 7 سنوات.
إذا أردنا التبسيط والبداية الصحيحة فاعتقد أننا بحاجة لأن نقول أن الطبيب هو ذلك الشخص المؤهل علمياً ومهارياً وسلوكياً لـتوفير الصحة لأفراد المجتمع باختلاف مستوياتها من العمل على عدم وقوع المرض أو الإصابة، ومعالجة المريض إذا مرض لمنع حدوث مضاعفات أو انتقال المرض للآخرين، وإعادة تأهيل المريض إذا حدثت له مضاعفات والتقليل من الإعاقة جراء المرض أو مضاعفاته، والعمل على أن تكون نهاية حياة المريض بالحد الأدنى من الألم وباحترام كامل لمعتقده الذي مات عليه.
كما أننا بحاجة إلى تعريف آخر هو تعريف الصحة كما اتفقت عليه منظمة الصحة العالمية الوارد في دستورها منذ 50 سنة وهو أن (الصحة هي حالة متكاملة من السلامة الجسدية والعقلية والاجتماعية للإنسان وليس فقط حالة من انعدام المرض أو الإعاقة).
حمد لله على السلامة فقد عرفنا الآن على الأقل أن حضرتك (موفر صحة health care provider) وعرفنا الصحة التي يجب أن حضرتك تقدمها للمجتمع.
قد يبدو الأمر مثاليا ككثير من المفاهيم والتعريفات المتعلقة بالطب ودور الطبيب، أو بالأحرى أدواره المفترضة، فالواقع يقول أن الطبيب يكون في المرفق الصحي يعالج المرضى، وهذا تقريبا كل شيء. أرجو المعذرة ليس هذا كل شيء، وقبل أن استطرد في ما أراه من خلال التجارب العملية والقراءات الأكاديمية في التعليم الطبي، أو أن تأتي البداية منك أنت زميلي العزيز عبر الإجابة عن السؤال الذي نتناوله في الفقرة التالية من هذا الكتاب...
أين يوجد الطبيب؟
أفضل دائما طرح هذا السؤال والإجابة عنه قبل استعراض ادوار الطبيب المفترضة، وذلك حتى نخرج من سجن فكرة أن الطبيب هو ذلك الشخص الذي يرتدي معطفه
الأبيض، وقد تدلت سماعته الطبية حول عنقه متحدثا بالعربيزية (خليط غير مفهوم من العربية والانجليزية لا يفهمه الا الاطباء واطلاب الطب) مع زملاءه ومرضاه، أو يخرج بملابس العملية في الردهة يطارده أهل المريض ليطمئنوا على مريضهم، وكم شاشة أو قطنة نسيها الجراح في داخله، فيغمغم بعبارة الفيلم المصري المشهورة (نحن عملنا إلي علينا والباقي على ربنا)، وكأنهم شاركوا الله تعالى قدره-تعالى الله عن ذلك... لا ليس هذا هو الطبيب فقط.
فكر قليلاً: أين يمكن أن ترى طبيباً (لا ... لا اقصد من يعمل سائقاً لسيارة لأجرة أو كمساري في مواصلات عامة)؟
طبعا اجابتك الاولى هي: في المستشفى. وهنا نسأل ماذا يفعل؟ والاجابة هي: يعالج المرضى؟ ومن ثم نسأل: فقط؟ ألا يوجد طبيب آخر؟
بالطبع يوجد... هناك المدير الطبي وهناك باحث يقوم بدراسة على مرضاه، وهناك مدراء بعض الاقسام... وأين أيضاً؟
في وزارة الصحة: نعم هناك المئات من الأطباء الذين يرتدون ملابس الموظفين، ويعملون في الأبحاث والتخطيط والتنسيق ومكافحة الأمراض على مستوى الاقليم او القطر كله... وفي المجتمع: هناك أطباء في المدارس وفي الأحياء يقومون بالأبحاث ويثقفون الناس عن كيفية حماية انفسهم من الامراض، وفي الاعلام: هناك أطباء يثقفون الناس ويدافعون عن حقوقهم ويناصرون قضاياهم...
لعلك الآن رجعت بذاكرتك وانتبهت إلى أن هناك أطباء في أماكن أخرى من العالم، ومن حولنا. أعرف أن نظرة الأطباء في ظل نظام تعليم طبي يفرخ أطنانا من الأطباء المعالجين فقط، ولا ينظرون ابعد من المريض الذي أمامهم، الطبيب خلق ليعالج المرضى، ولكن هؤلاء أيضاً أطباء قد تبدو أدوارهم غير واضحة أو حتى تبدو غير مهمة بالنسبة لبعضكم، وبالنسبة لوالدتي كذلك التي ما زالت تعاني أثار قرار اتخاذي تخصص غير سريري، والذي يعني أن ابنها الذي (طفحت فيه الكوتة وراجياه 20 سنة) لن يرتدي الرداء الأبيض ولن يحمل السماعة، ولن تكون عنده عيادة تذهب إليها الخالات والعمات ونسوان الحِلة والجيران.
إذن نحن أمام حقيقة مفادها أن حتى عملك كطبيب معالج يتأثر بطريقة الطبيب (المربي-المدرس) الذي درسك في الكلية، وتخرجك تأثر بطريقة الطبيب (الإداري) الذي أدار عملية تجهيزك كطبيب (معالج)، وعملك كطبيب (معالج) يتأثر بالطبيب (المدير) الموجود في إدارة المستشفى، وتوزيعك في هذه المستشفى أو تلك أو نفيك إلى هذه الولاية أو تلك أو استخدام هذا العلاج للملاريا عوضاً عن ذاك يتأثر بقرار الطبيب (المخطط) في وزارة الصحة، والذي تأثر بدور الطبيب (الباحث) الذي أظهرت دراسته أن هناك خلل ما في توزيع المرافق الصحية من الناحية التخطيطية، أو أن هناك مقاومة للعلاج الأول فتتبنى الوزارة ومنظمة الصحة العالمية تغيير العلاج بآخر، وهكذا هناك أطباء لهم ادوار ما تؤثر على ما تظنه الطب كله-على غرار الحب كله للسيدة أم كلثوم!!
بعد هذه الصدمة النفسية أتمنى أن تكون مهيأ نفسياً أكثر للتعرف على أدوارك كطبيب إذا ما قررت أن توسع وتزيد من قيمتك كطبيب بأن تجمع من هذه الأدوار ما تطيق حسب قدراتك المعرفية أو السلوكية أو الشخصية أو المهارية لتختاربالطبع