top of page

 

أنا لست موظفاً... أنا طبيب!

 

معظم الناس من العامة بما في ذلك أمي-بارك الله فيها- والخاصة بما في ذلك أقرب أصدقائي من "الأطباء" يعتقدون أن عملي في وزارة الصحة ليس له علاقة بالطب، وهذا مفهوم. وقليل منهم يملك الجرأة الكافية ليخبرني أن ما أقوم به هو "تضييع للعمر" و"إهدار للمستقبل"، وتعليقات من قبيل (تقرا ست سنين عشان أخرتها تكون موظف في مكتب!)، ناهيك طبعا عن العديد من التلميحات أن غياث يريد الزواج سريعاً فضحى بمستقبله من اجل الدولارات والسفر!!

 

 

ويظل كل من ابتعدوا أو عملوا في اتجاه مواز للطب السريري والخروج من "جحر" الطبيب المعالج الذي أصر 99% من الأطباء على الدخول فيه، وهو لا يمثل في الحقيقة إلا 20-30% من مجموع الحيز المتاح للطبيب، وينطلق إلى بقية ال80% من حيز الطبيب يجد نفسه تحول ليس فقط إلى موظف وانتهازي وخائن لمبادئ الطب، بل إلى محام أيضاً نظرا لاضطراره المستمر للدفاع عن نفسه من هذه "التهم". وهذا   ليس محاولة للدفاع، كما هو الحال بالنسبة لبقية فصوله عن نفسي أو زملائي ممن اختاروا تخصصات غير إكلينيكية من طب المجتمع، أو الإدارة الصحية، أو اقتصاديات الصحة، أو غيرها.
فيما يلي من فقرات سنحاول إن شاء الله أن نعرف ونتعرف على دور الطبيب كإداري ومخطط، وسنحاول فك طلاسم وشفرات المصطلحات التي تستعمل في هذا المجال
لعلها أن تلقى أذنا واعية، وقلباً لم يقضم الطب الإكلينيكي البقية الباقية من الحياة فيه!

قصة 2 مليون وحدة!

يروى أن وزيرا للصحة في احد الولايات لم يكن طبيباً تم تعيينه ضمن موازنات سياسية-وللحق فانا اعتبرها من أروع نماذج الكوميديا السوداء التي ينتجها الساسة في بلادي، وكان الوزير المذكور في الأصل ضابط جيش وبعد تسريحه من الجيش تم وضعه على رأس نادي رياضي في تلك الولاية.

لاحظ الوزير أن مدير عام المستشفى العام الوحيد في ولايته يكثر من طلب شيء اسمه "البنسلين المائي" في كل شهر وباستمرار، فكان لابد له من "حسم هذه الفوضى" فاستدعى المدير العام، وواجهه بالتهمة: لماذا تطلب كل هذه الكميات من البنسلين المائي؟ فأجاب الطبيب ببساطة: لأنه مضاد حيوي رخيص وفعال في العديد من الالتهابات، فداهمه الوزير بسؤاله التالي: وكيف تستعملون هذا الدواء، فأجاب الطبيب بأريحية: البالغين نعطيهم 2 مليون وحدة كل 6 ساعات، والأطفال مليون وحدة كل 6 ساعات، وعندها انتفض الوزير منتشياً، بعد أن ضبط أين يكمن التسيب والتلاعب بالمال العام، وقال عبارته العنترية المشهورة: هذا تبذير وتضييع للمال العام، من الآن فصاعداً البالغين تعطوهم نصف مليون وحدة وكل 8 ساعات، والأطفال أعطوهم ربع مليون كل 8 ساعات، وإذا ما كفى خلوها كل 12 ساعة!!

 

 لماذا الإدارة والتخطيط؟

لن أعلق على قصة (ال 2 مليون جرعة)، سواء أكانت حقيقية أو من نسج خيال مواطنين من بلدي لجئوا إلى الخيال بعدما نفذ كل السلاح الذي يمكن حمله ضد من لا يسمع إلا من يحمل السلاح، ابتداءا من جيش تحرير إقليم (الرتينة بقّت) فصيل أمبدة، إلى حركة مهمشي (قرية شنب البعوضة) فصيل الحاج يوسف!!

وإنما اسمحوا لي أن أبدأ بسؤال ساذج كمعظم الأسئلة الصعبة في حياتنا: هل التخطيط والإدارة فعلا مهمين؟ أم هم مجرد مجموعة من الموظفين الذين يجلسون في مكاتبهم المكيفة على ضفاف النيل لا يعلمون عن الواقع شيئاً؟ قد تنقسمون إلى قسمين، أو إلى قسم واحد يجمع الإجابتين بالإيجاب على السؤالين كعادة أهل السودان في الوصول إلى حلول وسط بعدم إعطاء إجابة محددة.

 

الإدارة والتخطيط... فك الشفرة[1]

أنت كطبيب معالج يعمل في عيادته أو في العنبر أو في أي قسم من أقسام المرفق الصحي الذي تعمل فيه تجد نفسك ضحية قرارات لم تتخذها، فحينا تكون القرارات بزيادة علاواتك وحوافزك (واسمحوا لي أن أكتم ضحكتي) أو تجد صيانة في المستشفى أو تغيير نظام إدخال وتنويم المرضى إلى نظام الكتروني يعتمد على الكمبيوتر من دخول المريض إلى قسم الطوارئ والحوادث وصولا إلى تخريجه سواء إلى بيته أو إلى بارئه عز وجل، أو قرار توزيعك إلى مكان ما في بلد من السعة بحيث تستطيع أن تصل إلى عواصم كل الدول المجاورة في زمن أقل من الزمن المطلوب لتصل إلى أقصى غربه، أو حتى قرارات من قبيل تغيير بروتوكول علاج الملاريا الذي يحفظه أهل السودان أطفالا وشيوخا منذ عشرين سنة تقريباً أكثر مما نحفظ نشيدنا الوطني...الخ.

إذن شئت أم أبيت تجد نفسك في مهب قرار إداري بشكل أو بآخر، قد تتفق معه، وهذا نادرا ما يحدث؛ وسنعرف لماذا، أو تختلف معه لدرجة أنك قد تطالب بحركة نقابية أو عمل اعتصام أو أي من التصرفات الثورية (الكلمة التي اقتبسها العالم من كلمة الثورة، واقتبسها معظم أهل بلادي من كلمة الثور!)، وعليه فلا يمكن تجاهل أن القرارات الإدارية تعنيك وتؤثر فيك وتؤثر في الطريقة التي تقدم بها الخدمة للناس.

هيا بنا إذن نستعرض سوياً بعض الأسئلة الأساسية التي تساعدنا في التخطيط، أو على الأقل على فهم آليات التخطيط واتخاذ القرار (أو صناعة القرارات كما يصر زميلي وأستاذي خليفة المشرَّف على تسميتها)، حتى وأن لم تكن تتبع حرفياً في كثير من الأحيان في مختلف مستويات اتخاذ القرار الصحي في بلادي.

 

وظائف الإدارة الخمس

وظائف الإدارة الخمس هي:

       التخطيط: هذه الوظيفة الإدارية تهتم بتوقع المستقبل وتحديد أفضل السبل لإنجاز الأهداف التنظيمية.

   التنظيم: يعرف التنظيم على أنه الوظيفة الإدارية التي تمزج الموارد البشرية والمادية من خلال تصميم هيكل أساسي للمهام والصلاحيات.

       التوظيف: يهتم باختيار وتعيين وتدريب ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب في المنظمة.

       التوجيه: إرشاد وتحفيز العاملين باتجاه أهداف المنظمة.

       الرقابة: الوظيفة الإدارية الأخيرة هي مراقبة أداء المنظمة وتحديد ما إذا كانت حققت أهدافها أم لا.

 

1.      التخطيط... ما هو؟

   التخطيط هو أهم وظائف الإدارة باعتباره عملية اتخاذ قرارات بشأن أهداف يراد تحقيقها، وتحديد النشاطات المطلوبة لبلوغ هذه الأهداف، مع تحديد زمنها المطلوب وتكلفتها،

   كما يعد عملية استعداد منهجي للتغيرات المتوقع حدوثها خلال سير العمل لتحقيق الأهداف، بحيث يتم خفض المخاطرة إلى الحد الأدنى وبغرض الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة.

 

2.      التخطيط... لماذا؟

       توحيد الرؤية والمسار والمهام

الصحة، مثلها مثل الكثير من مجالات الخدمة العامة يوجد لها صور مخزنة وتعريفات مسبقة عند معظم الناس، سواء أكانوا من عامة المواطنين، أو من الأطباء بمختلف مجالات وأماكن عملها. تدور معظم هذه المفاهيم حول أهداف عامة من قبيل (الاهتمام بصحة المواطنين)، (توفير الخدمات الصحية)، (تطوير الخدمات الصحية)... وهذه بصراحة أقرب للشعارات الانتخابية منها للتعريف المنهجي لمصطلح (أهداف)، والأكثر إزعاجا هو أن هذه العبارات الفضفاضة وما يظنه البعض أهدافا عامة تتحول إلى أهداف عائمة، نظرا لأننا سنكتشف في مكان ما من الطريق أننا نختلف في رؤانا للصحة، وتعريفنا للخدمة الصحية، ويختلف مفهومنا لتطوير الخدمة الصحية.

إن التخطيط هو تلك العملية التي ينبغي أن تقوم بها أي مؤسسة، بما في ذلك المؤسسات الصحية، قبل البدء في تنفيذ أو عمل أي شيء وأول ما نستفيده هو أن الذين سيعملون سيعرفون ما هو دورنا بالضبط، وما هي حدوده.

 

       التنسيق والاستغلال الأمثل للموارد، وأهمها الوقت

الصحة في الكثير من الدول العالم، بما في ذلك دول العام المتقدم اقتصادياً لا تحظى إلا بالقليل من الموارد، وهذا مرده إلى القناعة المترسخة لدى الاقتصاديين أن الصحة قطاع مستهلك، يستنزف الكثير من الأموال، والبنى التحتية بدون طائل مادي يعوض ما انفق.

هذا الزعم يروج كثيراً بين الاقتصاديين، ووزراء المالية في العديد من دول المنطقة، أو حتى على مستوى الوطن، مما يجعل مهمة القائمين على أمر الصحة بين مطرقة شح الموارد والحرب مع الاقتصاديين لإقناعهم بأهمية الصحة للاقتصاد على المدى البعيد، وسندان المواطن الذي لا يعرف عن هذه المعارك شيئا ولا تعنيه سوى أن تتوفر له خدمة صحية قريبة منه، يسهل الوصول إليها، ومتطورة من حيث مستوى العاملين فيها ومن حيث الأجهزة المستخدمة،و تحترم رغباته وخصوصيته. هنا تظهر حتمية وجود نظام إداري قوي يستطيع أن يوفق بين شح الموارد من جهة، وبين رغبات المواطنين لتقديم خدمات في قطاع يشمل كل أبناء الوطن.

 

       التحفيز بالتحدي

التخطيط، كما سنرى، يضع أهدافاً محددة لتحقيقها باستعمال موارد معينة في إطار زمني معين من قبل أشخاص معينين. من بين العديد من أساليب التحفيز، التي نتناولها في مجموعة مقالات خاصة إن شاء الله، فإن استعمال التحدي كأداة من أدوات التحفيز هو من الأساليب الناجعة في كثير من المؤسسات؛ مع توفر أنواع التحفيز الأخرى مثل التقدير والمشاركة والتحفيز العيني والمالي بطبيعة الحال.

 

       مشاركة المعلومات والمهام

من المظاهر السالبة الشائعة في كثير من القرارات والخطط هي أن من يخططون لا يشركون من سيتم تنفيذ القرار بهم أو عليهم، أو معهم. إن تغييب المستويات المتعددة والاعتماد على مركزية التخطيط وتنزيل الخطط كأنها وحي من المركز فيه إهدار لكثير من الفرص، وإتاحة فرصة لبيئة عمل تفتقد الشفافية[2]. من المهم أيضاً الإشارة إلى أن الكثير من المشاكل تنتج عن عدم معرفة الزملاء بحدود مسؤولياتهم، وطبيعة عملهم مقارنة بعمل الآخرين في الفريق. هذا ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى اعتقاد أن (عملي هو الأهم)، ومن ثم قناعة أن (أنا اعمل أكثر من أي أحد آخر ولا أجد مقابلا لذلك). هذا مردّه، في جزء منه، إلى غياب المشاركة في المعلومات والخطط وتنفيذها.

 

       تحديد الاحتياجات المطلوبة (قوى عاملة و$)

هذه الجزئية تحديدا فيها الكثير من الضباب، وغياب الطريقة العلمية. من المؤسف أن يفكر أيا كان بطريقة (ابنوا مستشفى... أكيد الناس تحتاج مستشفيات)، ومن المربك أن هذه المقولة تبدو منطقية، لكنها ليست كذلك على الإطلاق، ولنأخذ أمثلة.

إن 100.000 دولار أمريكي قد تكفي-على سبيل المثال-: (اختر الإجابة الصحيحة مما يلي)

o     50 ألف ناموسية مشبعة للوقاية من لدغ البعوض الناقل لطفيل الملاريا. (ملاحظة: الملاريا تصيب مليون مواطن على الأقل، وتتسبب في مقتل ما لا يقل عن 5000 منهم بمضاعفاتها)

o      تجهيز مركز صحي بالمعدات الأساسية. (ملاحظة: المركز الصحي يخدم 10 آلاف مواطن في منطقة أقرب مستشفى لها تبعد 10 كيلومترات)

o     تدريب 100 قابلة (داية) قانونية. (ملاحظة: معدل وفيات الأمهات في السودان هو من ضمن الأسوأ في العالم ويقدر ب509 امرأة تموت من كل 100.000 ألف امرأة بسبب مرتبط بالولادة)

 

مما سبق كيف ستنفق المبلغ المذكور؟

لعل كل منكم اجتهد الآن في اختيار الإجابة، وينتظر في هذه السطور أن أقول الإجابة الصحيحة. الجواب الصحيح هو أنه لا توجد إجابة صحيحة؛ على الأقل حتى نتبع المنهجية الصحيحة في اتخاذ القرار، كما سنرى في الفقرات القادمة إن شاء الله.

إن التخطيط السليم هو الفرصة الذهبية والعلمية والمنهجية بمعرفة الأوضاع والمشاركة في تقييمها، وتحديد ما إذا كنا بالفعل إلى هذا النوع من التدخل intervention، أو ذلك النوع من الخدمات هو الذي سيحقق الأهداف المنشودة من التخطيط أم لا.

 

       لا نضيع خطوة (من الصعب أن تسقط التفاصيل سهواً في ظل تخطيط جيد)

إن التخطيط الجيد كما سنرى لاحقاً يملأ كل الفراغات الموجودة أو تلك التي يمكن أن تطرأ على الفريق العامل على تنفيذ الخطة. وفي الخطط التفصيلية لابد من وجود التفاصيل. من المشكلات المعتادة أن الخطط قد تكون في كثير من الأحيان شاملة وموضوعية، لكن العديد من التفاصيل غير واضحة. إن العمل في ظل خطط بها الكثير من المناطق الرمادية Grey Areas يجعل احتمالات حدوث النزاعات أكثر من المعتاد، مع العلم أننا تربينا في مجتمعات تحمل الكثير من مقومات تصاعد النزاعات، وتطورها بشكل دراماتيكي من خلافات عمل أو آراء إلى خلافات شخصية في ظل ثقافة مجتمعية ترفض الاعتراف بالخطأ وتعتبره نقيصة، ومن ثم يكون البديل هو التمادي في الخطأ، ومحاولة تبريره بالمنطق أو فرضه بالقوة.

 

       يتيح لنا فرصة المراجعة والتصحيح (المتابعة والتقييم)

كثيرا ما تتخذ القرارات في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية ثم يخطط لها بعد أن تتخذ، أو بالأحرى يعمل من تسبب فيها على معالجة تبعاتها، ولعل من الأمثلة التي تلينا كأطباء ما حدث من تمدد رهيب وفي زمن قياسي في عدد كليات الطب، والعلوم الطبية والصحية ب400% خلال اقل من 15 عاماً[3]. لم تكن ثورة التعليم العالي سيئة، فقد كنت أنا شخصيا أحد المستفيدين منها، ولكن تكدس هذه الأعداد من الأطباء، وعجز قدرة سوق العمل على استيعابهم يطرح أسئلة عدة حول ما إذا كان الطريقة التي تم بها (التخطيط) صحيحة.

 

من أين يبدأ التخطيط؟

اعتقد أن هذا السؤال هو السؤال المكمل أو الصيغة الأسهل لنعرف خطوات التخطيط. غالباً ما تكون البداية مشكلة ما تواجهنا وتمثل عبئاً ونريد أن نجد لهذه المشكلة حلاً؛ بالمناسبة هذا يشمل كذلك أي منحى من مناحي حياتنا الشخصية أو المهنية. إن التخطيط ليس فقط دور كبار المسئولين أو مجالس الوزراء والساسة. أنت أيضاً مخطط لحياتك، أو هذا ما أتمناه لكي لا  تأتي بعد عقد من الآن لتكتشف أن حياتك قد مضى نصفها وأنت لم تزل تصنعك الأحداث ولا تصنعها.

ما هي المشكلة؟

قبل أن أجيب عندي اعتراف، وهو أنني استمتع من إرباك الحضور في أي من ورش العمل أو الندوات التي أقدمها عن مهارات صناعة القرار، أو حل المشكلات، عندما أفاجئهم بهذا السؤال: ما هي "المشكلة"؟، وبطبيعة الحال اقصد كيف يمكن أن نعرِّف (المشكلة)؟

 

قد تسرحون بخيالاتكم قليلاً، ولو أننا أتوقع أنكم أكسل من ذلك وستقفزون مباشرة إلى هذه الفقرة لتعرفوا الإجابة، ولا بأس. قد يكون أول ما يقفز إلى ذهنكم هو نوع المشكلة التي تعانون منها أكثر، فنتوقع أن نذكر (مشكلة المواصلات) إذا كنت تصطبح وتمسي مع الإخوة الكماسرة، واعتدت على سيمفونية الحوار الراقي الذي يتبادلونه مع الركاب، ولاسيما الطلاب منهم، أو (المشاكل المالية) إذا كنت تقضي نصف الشهر في انتظار الراتب، وساعتين في انتظاره أمام شباك الخزينة، وربع ساعة لتوزيعه على قائمة الدائنين والالتزامات الطويلة ونصفه الآخر في انتظار راتب الشهر الجديد!! إلى غير ذلك من أنواع المشكلات التي قد أمثالنا من العامة والسوقة، أما السادة "علية القوم" فربما مشاكلهم في أن محلات الوجبات السريعة لا تتزايد بشكل كافي، وأن (باسكن روبنز) و(ستاربكس)[1] لم يفتتحوا فروعهم في السودان بعد، أو ربما يتذمرون من ارتفاع أسعار تظليل وصيانة سياراتهم... المهم أن لكل مِنّا "نوع" من المشاكل، لكن يبقى السؤال: إذا أردنا أن نعرِّف المشكلة، ماذا سنقول؟

 

المشكلة فجوة (هوة) The problem is a gap

هذا هو التعريف الأبسط والأشمل في تعريف المشكلة، وهي أنها هوة أو فجوة بين ما نتوقع حدوثه، وما يحدث فعلاً، أو بين طموحنا وبين الواقع. وبعيداً عن الأمثلة أعلاه، فإذا أخذنا أمثلة أكثر جدية، وأكثر علاقة بالموضوع، ولنأخذ بعض الأمثلة على المشكلات الصحية.

 

إن المرض (مشكلة) لأنه يمثل فجوة بين توقعاتنا وطموحنا بأن يكون جسمنا معافى وسليم، وبين الواقع وهو أنه ليس كذلك، والعمل على حل المشكلة يكون بطلب العلاج (حل المشكلة)، ومعيار حلها هو إلى أي مدى استطاع هذا الحل أن يعيد أجسامنا سليمة، وهكذا في كل مشكلة. مثلا إذا أخذنا مشكلة صحية قومية تتعلق بموضوع يكثر فيه النعيق ومعاول الهدم، وهو الصحة الإنجابية، فالسودان وفق آخر التقارير (1999-2000م)[2] هو أحد أسوأ ثلاث بلدان في العالم في وفيات الأمهات بمعدل 609 وفاة لكل مائة ألف ولادة حية، ولكي نستشعر الفرق فإن المعدل في أوروبا الغربية هي 0.5 لكل مائة ألف ولادة حية (وبطبيعة الحال فإنه لا يمكن أن تموت نصف امرأة يمكن التعبير عنها بأن من بين كل مائتي ألف (200.000) امرأة تضع مولودا حياً في بلد كبريطانيا مثلا تموت امرأة واحدة بأسباب تتعلق بالولادة أو الحمل وحتى 42يوماً بعد الولادة.

إذن هناك فجوة بين معدل الوفيات المتوقع، أو الذي نريد أن نحققه، وبين الواقع وهو معدل وفيات عالٍ جداً، وعليه تبذل وزارة الصحة والمنظمات الطوعية جهدها لتقليل هذه الفجوة عبر توفير الرعاية الصحية الأولية، وتحسين خدمات رعاية الحوامل، وتغذية الحوامل، وتحسين ظروف عملية الولادة، حتى ولو كانت منزلية، وزيادة وتطوير مستوى القابلات والكوادر الصحية (أو الأُطُر كما يسمونها الآن) لتكون أكثر وفرة وكفاءة للمساعدة على الولادة الآمنة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

[1] لا تحبطوا!! هذه أسماء محلات ايسكريم ومشروبات ساخنة وليست أسماء صيدليات كما قد يظن العامة والدهماء من أمثالي!!

 

[2] هناك تقرير لدراسة قومية هي المسح السوداني لصحة الأسرة لعام 2006م (Sudan Household Health Survey) يعد الآن لعرض نتائج المسح الذي شمل كل ولايات السودان، وبالرغم من أن لدي مسودة التقرير لكن لا يحق لي أن انشر أي منه حتى ينشر رسمياً من قبل حكومة السودان والأمم المتحدة. كل ما يمكنني قوله أن هناك تقدم ملحوظ عن هذا الرقم المذكور.


[1] من المهم التأكيد على أن هذا الكتاب هو مجرد دليل سريع وليس كتاباً متخصصاً في الإدارة والتخطيط، وللراغبين في كتابات متخصصة فقد بدأت بحمد الله أن تجميع محاضرات أخرى في مجالات التطوير والإدارة تم تحميلها على iالموقع بفضل الله.

[2] أنا مثلا عملت بشكل لصيق جدا مع الشخص والجهة المسئولة عن توريد الأجهزة للمستشفيات الاتحادية، ولا داعي لذكر اسمه لكنني أقول أنه من أنزه من قد تلتقيهم في هذا الموقع الحساس، بالرغم من قيم الصفقات التي يتعامل معها تصل إلى ملايين الدولارات لكنه وهذه شهادة حق لا بد لها أن تقال كان يرفض حتى التلميحات ويتعامل معها بحزم. المشكلة هي أن هذه المجهودات أو آلية اتخاذ القرارات في هذه المسألة الحساسة تفتح أبوابا للظنون، ولاسيما إذا اكتشف العاملون في المستشفى أن احد الأجهزة كثير الأعطال أو أن التزام الشركة بالصيانة غير مُرضٍ. وقتها تطفو نظرية المؤامرة والفساد، وهذا غير صحيح إطلاقاً لكن ربما غياب العاملين في هذه المرافق عن هذه العملية يجعل الشكوك تساورهم واقرب لظنهم.

[3] كان مجموع الكليات الصحية والطبية بما فيها كليات الطب اقل من 10 كليات مجتمعة في أربعة جامعات حتى 1990م، وصل العدد إلى 73 كلية طبية وصحية في أكثر من 30 جامعة وكلية طبية حكومية وخاصة. (المصدر: تقرير الموارد البشرية في الصحة بالسودان. http://www.emro.who.int/sudan/media/pdf/Mapping%20of%20HRH%20Sudan.pdf )

 

 

 

الطبيب إدارياً ومخططاً

Dr. Ghaiath Hussein موقع د. غياث حسين

© 2013 Ghaiath Hussein. All rights reserved unless stated otherwise.

  • Wix Facebook page
  • YouTube App Icon
  • Wix Twitter page
  • Wix Google+ page
bottom of page