ما هو البحث العلمي؟
تعددت التعريفات للمقصود بالبحث، فقد وصفه بيرنز (Burns, 1997) بأنه التقصي المنهجي، أو الاستعلام (طلب علم) يتم به جمع، وتحليل، وتأويل البيانات لفهم، وتوصيف، أو توقع الظاهرة، أو الملاحظة التي حدت بالباحث إلى ابتداء البحث. يفيد المصطلح (بحث) إلى مجموعة من النشاطات صممت لتطوير أو للإسهام في تعميم معرفة. وفي هذا السياق يشمل (البحث الطبي) كلا من الدراسات الطبية والسلوكية المتصلة بالإنسان.
يعتبر البحث العلمي من الوسائل العلمية للتعاطي مع المشكلات وجمع البيانات، وصولا إلى توضيح الموقف الراهن، أو التوصل إلى حلول للمشكلة محل البحث. وحتى يحقق البحث العلمي أهدافه، لاسيما في مجال البحوث الصحية، لابد أن تتوفر فيه منهجية علمية واضحة ينبغي تتبعها.
إن معرفة منهجيات البحث تعدد للدارسين والعاملين في المجال الصحي هي معايير لقياس جودة البحث الصحي، وبيان قيمته العلمية، وجزء أصيل من دور الطبيب كباحث، وكمتخرج في مؤسسة تربوية صحية.
تقوم الممارسة الطبية كلها تقريبا على طرح الأسئلة، ومحاولة الوصول إلى أجوبة. هذه هي رسالة الأبحاث في الحياة العلمية. والأسئلة تقريبا في كل مجال وفي كل وقت: ما الذي يسبب هذا المرض؟ ومن ثم كيف نعالجه؟ هل هذا العلاج ناجح؟ هل هناك علاج انجح؟ لهذا العلاج آثار جانبية، هل هناك علاج آخر بدون آثار ضائرة أو بآثار أقل؟ وهكذا الأمر كذلك في المجالات الصحية غير الإكلينيكية: ما هي السياسة الأنسب لحماية صحة الطفل والمرآة؟ كيف يمكن أن أوزع المستشفيات والخدمات الصحية في البلد بطريقة عادلة؟ هل ما نقوم به في مجال مكافحة هذا المرض مجدي؟ ما هو الأجدى؟
وهكذا تستمر الأسئلة، ولكن العلم له أسسه وأساليبه التي يمكن بها الحصول على الأجوبة بطريقة صحيحة، وبالحد الأدنى من الانطباعية، أو مساحات الشك والاحتمال، ولكي يقبلها الجميع فقد وضع لها أسس وقواعد ومعايير جودة حسب أنواع البحوث التي نحن بصددها، بحيث يجيب كل منها عن نوعية معينة من الأسئلة. وهذا سؤالنا القادم.
ما أنواع البحوث التي يمكن أن أقوم بها؟
هناك تمييز أساسي في مجال البحوث الطبية الحيوية بين البحوث الطبية التي هي بشكل أساسي إما تشخيصية، أو علاجية للمريض، وبين البحوث الطبية التي يكون هدفها الأساسي علمي بدون تطبيق أي معايير تشخيصية أو علاجية على الشخص الذي شمله البحث(3).
تتضمن البحوث الطبية الحيوية:
· الدراسات الفسيولوجية، أو الكيميائية الحيوية، أو دراسات الأمراض، أو دراسة المردود لتدخل معين، سواء أكان فيزيائياً، أو كيميائياً، أو نفسيا في شخص سليم أو مريض.
· Control trials التجارب المتحكمة للقياسات التشخيصية، أو الوقائية، أو العلاجية في مجموعة أكبر من الأشخاص، المُصممة لبيان مردود محدد لهذه المقاييس قابل للتعميم مقابل التباينات الحيوية الفردية المعروفة.
· الدراسات المصممة لتحديد العواقب المترتبة على الأفراد والمجتمعات نتيجة لمقاييس وقائية أو علاجية محددة.
· الدراسات المتعلقة بالسلوكيات المتعلقة بالصحة البشرية في الظروف والبيئات المتنوعة.
أخلاقيات البحوث
أخلاقيات البحوث... كلمة لابد أن نعرفها قبل أن تقرر إجراء البحث
البشر ليسوا أشياءا... أرجوكم تذكروا ذلك، ولو لم تخرجوا من هذا الكتاب إلا بهذه العبارة لكفتكم، ولأمُت مرتاح الضمير!!
لقد قلتها من قبل في هذا الكتاب وسأقولها إن شاء الله في هذا الكتاب وفي غيره، لأنني مع الأسى والأسف أرى أمامي الكثير من الأطباء لا تنقذهم سوى تربيتهم ودماثتهم المكتسبة من السقوط في فخ تحول المرضى عندهم من بشر لهم الحق في أن يعرفوا ماذا عندهم، وماذا سيفعل بهم، إلى غير ذلك من الحقوق الأساسية، إلى (أشياء) يشعر أن له الحق في أن يحركها، أو يكشفها، أو يسترها، أو يغطيها، أو يعمل بها ما يشاء، لا لشيء سوى انه (الطبيب)!! تشرفنا يا سيدي!! خلينا في البحوث أحسن!!
الأسس الأخلاقية للبحوث الطبية:
تتمثل هذه الأساسيات في الآتي:
· ينبغي أن تُجرى كل البحوث التي تشمل الإنسان في توافق والتزام تام بالأسس الأخلاقية الأساسية، وهي احترام الأفراد، الإفادة، والعدالة. ومن المتفق عليه أن هذه الموجهات، والتي لها قوة أخلاقية متساوية ينبغي أن ترشد وتوجه التحضير المعتَمِد على الضمير المهني لمقترحات الدراسات العلمية(4).
1. احترام الأفراد
· يتضمن احترام الأفراد اعتبارين - على الأقل-، وهما:
أ. احترام الاستقلالية: وهذا مما يستوجب أن يكون للأشخاص القادرين على التعبير عن اختياراتهم الشخصية الحق في أن يعاملوا باحترام لقدرتهم على تقرير مصيرهم، بمعنى اتخاذ القرارات التي تعنيهم بأنفسهم.
ب. حماية الأشخاص الذين ليس لهم القدرة الكاملة، أو لهم قدرات اتخاذ قرار منقوصة من أن يكونوا عرضة للاستغلال أو سوء المعاملة.
2. الإفادة
· يرجع مصطلح الإفادة إلى الالتزام الأخلاقي للعمل على زيادة الفائدة المرجوة من البحث للمبحوث إلى حدها الأقصى وتقليل الضرر المحتمل إلى حده الأدنى. وهذا ما ينبغي أن يوجه إلى حتمية النظر إلى معقولية الأضرار المحتملة مقارنة بالفوائد المرجوة، بحيث يكون تصميم الدراسة مستوفيا لذلك، وأن يكون الباحثون مؤهلين لإجراء الدراسة بما يضمن سلامة المبحوثين(4).
3. العدالة
· يقصد بمصطلح العدالة الالتزام الأخلاقي لمعاملة كل الأشخاص بالتوافق مع ما هو مقبول ومناسب أخلاقيا؛ أي أن يكون لكل شخص حقه. وفي البحوث التي تشمل الإنسان يشير أساسا إلى عدالة التوزيع، بما يتطلب توزيعا متساويا للأعباء والفوائد المرجوة من المشاركة في البحث(4).
الأسس الأخلاقية العلمية للبحوث الطبية:
· لابد للبحوث الطبية الحيوية التي تشمل الإنسان أن تتوافق مع المعايير والأسس العلمية المقبولة ولابد أن تبنى على تجارب جيدة التنفيذ في المختبرات وحيوانات التجربة وعلة معرفة شاملة بمجموع النتاج العلمي للدراسات السابقة.
· لابد من أن تتم مراجعة كل مقترح بحث طبي يشمل الإنسان بواسطة لجنة مراجعة أخلاقية مستقلة قبل أن يتم البدء في تنفيذه. وللحصول على هذه الموافقة لابد للباحثين أن يوضحوا غرض ومنهجية المشروع البحثي؛ وأن يوضحوا كيف سيتم اختيار الأشخاص الذين سيتم عليهم البحث، وكيف سيتم أخذ إقرار موافقتهم، وكيف ستحمى خصوصية المشاركين في البحث: وأن يحدد كيف سيتم تمويل المشروع البحثي، وأن يفصح عن أي تضارب في المصالح، أو نزاعات محتملة بين الباحثين.
· للجنة المراجعة الأخلاقية الحق في قبول المشروع كما قدم، أو أن تطلب تعديلات قبل أن يبدأ، أو أن ترفض التصديق عليه جملة وتفصيلا.
· لابد أن يُصاغ بوضوح تصميم وتنفيذ كل الخطوات التجريبية التي تشمل الإنسان ضمن بروتوكول التجربة، والذي ينبغي أن يعرض على لجنة مراجعة أخلاقيات البحوث للاطلاع، والتعليق، والتوجيه، والإجازة.
· لا يسمح بأن تتم البحوث الطبية الحيوية التي تشمل الإنسان إلا بواسطة أشخاص مؤهلين علميا وبإشراف شخص مهني مؤهل طبياً.
· تقع مسؤولية الإنسان المبحوث على الشخص المهني المؤهل طبياً، وليس معتمدا إطلاقا على المبحوث حتى وأن أقر المبحوث بموافقته على البحث.
· لابد من احترام حماية حق المبحوث في أن يحمي سلامته، ولابد من أخذ كل حيطة ممكنة لاحترام خصوصية المبحوث، وتقليل مردود البحث على سلامة الحالة الجسدية أو العقلية للمبحوث، أو تأثيرها على شخصيته.
· لابد أن يمتنع الأطباء المعالجون عن الانخراط في أي مشاريع بحثية ما لم يكونوا راضين عن أن الأضرار أو المخاطر المحتملة عن التجربة هي في حدود المتوقع. على الطبيب أن يتوقف عن إجراء أي دراسات إذا وجد أن الأضرار تفوق الفوائد المحتملة.
· لابد للباحث عند نشره لنتائج بحثه أن يلتزم بتوخي دقة النتائج.
· في أي بحث يشمل الإنسان، يجب أن يتم اطلاع المبحوث بأهداف، ووسائل، وفوائد البحث المرجوة، ومخاطره المحتملة، وأي مضايقات قد تترتب عليه. ينبغي أن يوضح للمبحوث أن له الحق في الامتناع عن المشاركة في الدراسة، وأن من حقه الانسحاب، دون أن تترتب عليه أي عقوبات، أو التزامات. ينبغي على الباحث أن يحصل على الموافقة في المشاركة بحرية من المبحوث، ويفضل أن تكون الموافقة كتابة.
· في حالة عدم الكفاءة القانونية للمبحوث لإعطاء موافقته، فإن الموافقة يُحصَل عليها مِن مَن له الولاية القانونية عليه بما يتوافق مع القوانين المحلية.
· لابد في كل بحث طبي، أن يكون للمريض الحق، بما في ذلك مجموعات التحكم-إن وجدت-، في أن يحصل على أفضل وأنجع الوسائل التشخيصية والعلاجية المتاحة. هذا لا يستبعد استعمال العلاجات الخاملة في الدراسات التي ليس بها طرق تشخيصية أو علاجية.
· يجب ألا يؤثر رفض المريض المشاركة في الدراسة بأي حال من الأحوال في العلاقة بين الطبيب والمريض.
· لابد أن يوائم الطبيب بين البحث الطبي والرعاية المهنية، وأن يكون الهدف هو الحصول على معرفة طبية جديدة، فقط للحد الذي يسمح به البحث الطبي من حيث القيمة العلاجية أو التشخيصية المرجوة للمريض.
· من المهم للباحث أن يوضح ما إذا كانت المخاطر المحتملة على المبحوثين معقولة أو متناسبة مع الفوائد المرجوة من البحث، وأنها قد لا تمتد إلى المبحوثين. ويعرف الخطر بأنه احتمال حدوث مردود عكسي (ضرر). وللخطر عنصران:
1. احتمالية حدوث الضرر (بالتدرج من كونه غير وارد على الإطلاق إلى محتمل جداً)، و
2. شدة الضرر المتوقعة (بالتدرج من طفيف إلى ضرر شديد مستديم، أو الموت)
إن الاحتمالية المنخفضة للضرر الطفيف لن تكون مشكلة بالنسبة لمشروع بحثي جيد. بينما على الطرف الآخر، فإن احتمالية الحدوث العالية لضرر بالغ لن يكون مقبولا، ما لم يكن المشروع البحثي هو الأمل الوحيد لمرضى هم في مراحل مرضية متأخرة جدا. وما بين النقيضين نجد أن الفقرة السابعة عشرة من إعلان هلسنكي يطلب من الباحثين التقييم المناسب للأخطار المحتملة وأنه يمكن معالجتها. إما إذا كان الخطر هو غير معلوم مطلقاً، فعلى الباحث ألا يمضي قدما حتى تتبين له بعض المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها، مثل بعض الدراسات المخبرية، أو التجارب على الحيوانات.
· تنص الفقرة الحادية عشرة من إعلان هلسنكي على ضرورة أن تكون البحوث الطبية الحيوية التي تشمل الإنسان قابلة للتبرير على أسس علمية. وهذا الشرط يهدف إلى التخلص من البحوث التي لا يتوقع لها النجاح، مثلا إما لأنها لا تملك المنهجية، أو أن النتائج المتوقعة غير ذات دلالة.
· في تطبيق البحوث الطبية الحيوية التي تشمل الإنسان، فإنه من واجب الباحث أن يكون الحامي الحريص على حياة وسلامة الشخص الذي يجري عليه البحث الطبي الحيوي.
تفضل الفقرتان الثامنة عشرة والتاسعة عشرة من إعلان هلسنكي على استحباب تضمين القيمة الاجتماعية في تقييم مشاريع البحوث. إن أهمية أهداف البحث، كما تفهم من الأهمية العلمية والاجتماعية، ينبغي أن تزيد عن المخاطر والأعباء التي قد يتعرض لها المبحوثون.
للمزيد عن هذا الموضوع يمكنك الاطلاع على الموقع الذي أحرره بالتعاون مع إدارة البحوث بوزارة الصحة الاتحادية السودانية وإشراف د. إيمان مصطفى مديرة ادارة البحوث بوزارة الصحة ...فضلا انقر هنا، و الذي يحتوى على مكتبة متكاملة لمنهجيات وأخلاقيات البحوث الصحية ...
