بطبيعة الحال كان لابد من البدء بدور الطبيب المعالج، نظرا لان السواد الأعظم من تدريسنا وتنشئتنا الطبية في مبايض الأطباء المسماة كليات الطب في معظمها تخرج مستنسخات لا تعرف إلا دور (الدكتور أبو سماعة)!!
عندما نتحدث عن دورك كطبيب معالج فلابد لنا أن نتحدث من قبل ذلك، وأثناء ذلك بمقاربة مهمة وهي أن توفير الصحة هي عمل فريق، حتى وإن ظن الطبيب أنه محوره. هذا يقتضي أن توجد تقاطعات بين دور الطبيب وقيامه بعمله كمعالج في المرفق الصحي، وبين عدد من المحيطين به: المجتمع (الأصحاء والمرضى)، ومرافقي المرضى (أسرته وأصدقاءه)، زملاء المختبر، زملاء الصور التشخيصية (الأشعة)، الصيدلي، والأطر (الكوادر) المساعدة (مثل التمريض)، إضافة الى إدارة النظام الصحي بمستوياته المختلفة من المستشفى او المركز الصحي وصولا إلى الوزارة.
واسمحوا لي هنا أن أنقل بتصرف هذا الجزء من بحثي المشار إليه[1]:
العلاقات البينية للطبيب والمقاربة الإسلامية[2] لها:
تتميز معظم الأدبيات التي تناولت علاقات الطبيب، وأخلاقيات المهن الطبية بأنها ذات عبارات فضفاضة تؤكد على القيم العامة المتعارف عليها في المجتمع. تعتمد معظم الجزئيات المتعلقة بها وبتدريسها على تراكم الخبرات الشخصية لمن يقومون بتدريسها، وليس على أسس علمية أو أكاديمية أو امتداد لاعتبار الأخلاقيات جزء لا يتجزأ من عمل الطبيب، وليس ترفاً اعتقادياً له أن يتمسك به وله ألا يفعل.
لذلك وحتى يمكن الحصول على مرجعية محددة لأخلاقيات المهن الطبية تقف على أرضية صلبة قابلة للقياس والمعايرة، ومن ثم التطبيق، لابد من وضوح النصوص المحددة للعلاقات البينية للطبيب؛ ذلك أن الطبيب يمثل حلقة الوصل التي تربط حلقات عِقد عملية توفير الصحة في المجتمع. تتمثل أهمية وضوح تلك العلاقات البينية في أنها توضح بشكل عملي وتطبيقي المعايير السلوكية واجبة الإتباع من قِبَل الطبيب في أداءه المهني، ومن قبل ذلك في تحديد معالم السلوك المهني الذي يتم تدريسه للطالب قبل انخراطه في الأداء المهني الفعلي.
(يعني بالعربي البسيط علينا أن نتخلص من هذه المسحة الإنجيلية والنزعات التي تشبه المثالية المسيحية التي يتميز بها معظم كلامنا عن مهنة الطب، وأخلاقيات المهنة والتعامل مع الآخرين من زملاء ومرضى، ونضع الموضوع في إطار محدد له نقاط يمكن الاسترشاد بها وتطبيقها، وتقييمها)
مفهوم العلاقات البينية للطبيب: Doctor-Interrelationships
يوضح هذا المصطلح مجموع التصرفات والسلوكيات والخطوات المتبعة من قبل الطبيب في الظروف المختلفة خلال تعامله مع أي من أطراف العملية العلاجية؛ أي زميله الطبيب، من يكبره ويسبقه، أو من يليه، التقني التشخيصي (المعامل، الأشعة التشخيصية)، الممرضين (بما في ذلك القابلات)، المريض ومرافقيه، وإدارة المؤسسة الصحية التي يعمل بها والبنية التحتية الصحية التي يتعامل معها.
لطبيب والمجتمع:
أفضل أن أُعَرِّف المجتمع بأنه هو مجموع الظروف والمقومات البشرية، والمكانية، والزمانية، والإعدادات اللوجستية المحيطة بالطبيب في بيئة دراسته وعمله، بما في ذلك أفراد المجتمع الذي يعيش أو يدرس أو يعمل فيه بمن فيه من مرضى وأصحاء ، وبما لهم من معتقدات وآداب وأعراف، وإضافة إلى الموارد الصحية المتاحة في المجتمع من قِبَل الدولة أو من الجهات الأهلية والخاصة.
تتمثل أهم الموجهات والالتزامات المتبادلة بين الطبيب ومجتمعه في ما يلي:
1) على الطبيب أن يعرف المكونات الاعتقادية والعناصر المكونة للشخصية العامة في مجتمعه، بما في ذلك الدين السائد والأعراف المتداولة واللغة التي يتحدث بها معظم أهل المجتمع، وأن يسعى للتعامل وفقها أثناء دراسته وعند ممارسته للمهنة.
2) على المجتمع أن يوفر البيئة التعليمية والعلاجية المناسبة لإعداد الطبيب حسب المقومات الاعتقادية له، وأن تتوفر للطبيب كافة السبل الكفيلة بإنجازه الأكمل لمهمته في توفير الصحة، بما في ذلك المؤسسات الحكومية، أو منظمات المجتمع المدني، أو الأفراد.
3) على الطبيب، مستعينا بمعارفه ومهاراته أن يعمل على توفير الصحة، بمعناها الذي أقره المجتمع الدولي[1]، على المستويات الآتية:
i. العمل على عدم حدوث المرض.
ii. العمل على عدم انتقال المرض إلى أعضاء المجتمع من الأصحاء.
iii. العمل على عدم حدوث مضاعفات من جرّاء الإصابة بالمرض، في حالة حدوثه.
iv. العمل على عدم حدوث إعاقة[2] مستديمة جرّاء المضاعفات الناتجة عن المرض.
v. العمل على التقليل من المردود السلبي للإعاقة.
vi. العمل على تقليل الألم عند الوفاة، وإحسان احتضار المريض، ومنحه الحق في الموت بسلام، وعلى طقوس اعتقاده الذي عاش معتنقاً له.
4) الطبيب هو عضو في مجتمعه وعمله كطبيب هو تعبير عن هذه العضوية الفاعلة، مما يُلزِم الطبيب بالتفاعل الإيجابي بقضايا المجتمع والعمل على الارتقاء به، على مستوى المفاهيم والتطبيقات.
5) الطبيب محافظ على سلامة المجتمع الصحية والنفسية والبنية الاجتماعية له، ومحتَرِمٌ للقوانين التي تنظم عمله، وتنظم علاقته بالمجتمع. يشمل ذلك عدم تورطه بأي حال في عمل فيه معصية شرعية، أو مخِل بالقانون أو بآداب المهنة أو الأعراف المتبعة في مجتمعه، ومن ذلك مثالاً، لا حصراً:
i. الشهادة المرضية المخالفة للواقع هي شهادة زور.
ii. المشاركة في إجهاض حمل غير شرعي،بِغَير الضوابط الفقهية والعلمية الطبية المحضة هو قتل لنفسٍ بغير حق، وتسهيل لإشاعة الفاحشة في المجتمع.
iii. إقرار الطبيب، أو إفادته حول حالة لمريض لم يقم هو شخصياً بالكشف عليه واستقصاءه هو شهادة زور ولو بَلَغه بيان الحالة من ثقة أو من زميل له.
iv. طلب فحص أو تقرير علاج، ولاسيما العمليات الجراحية دون حاجة علاجية حقيقية، أو بغرض الكسب المادي المحض هو كسب حرام ومال سحت، وأن لم يؤذى المريض في بدنه، أو حتى صادف تحسناً في صحته؛ فهو أهل لغير الله به.
v. عدم التبليغ عن الحالات الوبائية أو الإصابات المعدية لجهات الاختصاص، أو التغاضي عن شبهة وفاة غير طبيعية، مخافة التورط في الإجراءات أو المماطلة أو المساءلة، هو تقصير في الأداء، وسكوت عن حق، وإفساد في الأرض بعدم الحؤول[3] دون وقوع مفسدة يمكن درؤها، والحيلولة دونها، وما لا يقع الواجب إلا به فهو واجب.
الطبيب والمريض
الواجبات وسمات العلاقة بين الطبيب والمريض
هذه العلاقة هي العلاقة المحورية والرئيسية، وهي الحلقة الأهم في عِقد العملية العلاجية، وتطبيق مفاهيم توفير الصحة. لابد من توفر العديد من المقومات والحيثيات والمهارات والممارسات لدى الطبيب لينجح في أداء دوره كموفر للصحة.
من أهم السمات والواجبات الأساسية في العلاقة بين الطبيب والمريض ما يلي:
1) علاقة الطبيب بالمريض مبنية على الاهتمام والرحمة وتقدير الحالة الجسدية والنفسية للمريض للعمل على علاجها، على أساس أن الطبيب سبب من أسباب رحمة الله تعالى وشفاءه؛ فلا ينبغي لا للطبيب ولا للمريض أن يفترض أن الطبيب شافٍ بعلمه أو بممارسته أو بالعلاج الذي يقرره للمريض، إنما الطبيب سبب، إذا شاء الله جعل الشفاء على يديه، وإن شاء لم يَكُن.
2) يعمل الطبيب كل ما مِن شأنه توفير الصحة للمريض، بما في ذلك أخذ التاريخ المَرَضِي المفصّل، وإجراء الكشف السريري الكامل، وطلب الفحوصات اللازمة للوصول إلى التشخيص، وتحديد العلاج المناسب، ومتابعة الحالة تحسنا أو ثباتاً أو تدهوراً، واتخاذ الإجراء المناسب في كل حالة.
3) على الطبيب أن يكون عارفاً بعلمه، باذلاً لجهده، حاذقاً في مهنته، مجتهداً في تطوير أداءه المهني بكل السبل والوسائل التي تتوفر لديه، طوال فترة ممارسته للطب، وصولاً إلى الوجه الأكمل المتاح له في توفير الصحة على مستوى معارفه ومهاراته.
4) من حق المريض أن يعرف مرضه بشكل يفهمه لغةً ومضموناً، والمضاعفات المحتملة، ومدى رخصته الشرعية، أو تأثيره المحتمل على أداءه لعبادة من العبادات، وأن يقبل أو يرفض أن يقوم طبيب معيّن بإجراء الكشف السريري له، ومعرفة سبب طلب الطبيب لأي من الفحوصات، ومعرفة العلاج الذي قرره له الطبيب، جرعةً ومفعولاً وأثاراً جانبية، ثم قبوله أو رفضه.
5) موافقة المريض بالعلاج تلزمه بإتباع إرشادات الطبيب، كما يحق للطبيب الحصول على الموافقة على العلاج أو رفضه كتابةً من المريض أو وليّ أمره؛ لاسيما العمليات الجراحية.
6) على الطبيب مراعاة الحالة الجسدية والنفسية والمالية والمعتقد الديني أو المذهبي أو الفكري للمريض عند قيامه بأي من مراحل العملية العلاجية؛ أي أخذ التاريخ المرَضي أو طلب الفحوصات أو إجراء الكشف السريري أو تقرير العلاج، بحيث لا يكلفه ما لا يطيقه مادياً أو نفسياً.
7) على الطبيب العمل على أن تكون حالته العامة جسدياً ونفسياً، وصفاته الشخصية، وسلوكه العام، وأداءه المهني جيدة في مجملها موحِية بالثقة، ومحافِظة على كرامة المهنة وخصوصيتها.
8) من حق الطبيب الاعتذار عن أو رفض العمل[4] إذا اختل أي من الشروط أو الظروف الأساسية اللازمة لأدائه لعمله، ومن ذلك:
i. قدرته الجسدية أو النفسية وسلامته الصحية
ii. توفر المستلزمات الأساسية من أدوات العمل، بما في ذلك الأدوية المنقذة لحياة المريض ووسائل الحماية اللازمة له بحيث لا يؤذيه الاتصال بالمريض، ولا يؤذي هو المريض بنقله لعدوى من مريض آخر.
iii. تقديره لعدم كفاءته أو أهليته في معالجة الحالة مع إمكانية تحويل المريض لطبيب متخصص، أو أقدر على المعالجة دون تعريض حياة المريض للخطر.
9) لا يحق للطبيب الرفض أو المماطلة في معالجة مريض بمرض معدي، مثل الدرن أو نقص المناعة المكتسبة(الايدز)، مخافة الإصابة، لأنه يعلم سلفاً أن هذا جزء من المخاطر الوظيفية التي قد يتعرض لها، ووافق على ذلك. إن الأصل في عمل الطبيب هو جاهزيته للعمل وإنقاذ الحياة في كل الحالات وتحت أي ظرف، ومعالجته للحالات الطارئة المهددة لحياة المريض، ما لم يكن هناك زميل له مؤهل للقيام بذلك، وراغب في ذلك.
السر المرَضي:
ويمكن تعريفه[5] بأنه (أي من المعلومات التي يعرفها الطبيب بحكم مهنته عن المريض حيّاً أو ميتاً، بشكل مباشر أو غير مباشر، لا يرغب المريض أن تُعرف عن حالته المرضية أو فحوصاتها، أو علاجاتها، أو مضاعفاتها، أو الاحتمال من شفاءها، أو إمكانية حدوث الوفاة نتيجة عنها، أو أي معلومة يمكن -حال معرفتها من غير المؤهلين للتعامل معها- أن تؤدي إلى تدهور حالة المريض الجسدية أو النفسية، أو عزله اجتماعياً، أو حدوث عواقب مؤذية لصحة المريض أو سمعته أو وضعه الاجتماعي أو المهني).
تنظم تداول السر المهني مجموعة من الملابسات والمعطيات المتفاوتة من حالة لأخرى، ومن ثم يكون من الصعوبة بمكان تحديد قواعد تفصيلية ملزِمة يجب تطبيقها في كل الحالات.
من المتفق عليه أن الأصل في السر المهني هو الكتمان وعدم البوح به. يستثنى من ذلك الحالات التالية[6]:
1. إذا أعطى المريض أو من أنابه عنه أو مستشاره القانوني موافقة سارية المفعول للإفشاء بالسر المَرَضي، مع الالتزام بالحد لذي سُمِحَ به بمقتضى هذه الموافقة.
2. إذا كانت المعلومة مطلوبة من قبل القضاء.
3. يمكن للطبيب، حسب تقديره للموقف، أن يبوح ببعض أو كل السر المهني لأي من أقارب المريض أو أولياء أمره، إذا رأى في ذلك ضرورة لإتمام العلاج.
4. إذا كانت إباحة السر لطلب استشارة طبية من متخصص أو زميل أقدم، أو أكثر خبرة.
5. التبليغ عن معلومات تمس مصالح المجتمع للسلطات المختصة، من قبيل التبليغ عن الجرائم، أو المواليد والوفيات، أو الأمراض المعدية أو المهنية.
6. إذا كانت إباحة السر بغرض دفاع الطبيب عن نفسه أمام لجنة مساءلة، أو القضاء، أو مجلس تأديب، لإثبات اتخاذه الإجراءات العلاجية اللازمة.
[1] نصَّ دستور منظمة الصحة العالمية في مادته الثالثة أن (الصحة هي حالة متكاملة من السلامة الجسدية والعقلية (النفسية) والاجتماعية، وليست فقط حالة انعدام المرض أو الإعاقة).
[2] بشمل ذلك الإعاقة النفسية والعقلية، إضافة إلى الإعاقة الجسمانية بطبيعة الحال.
[3] لا داعي للمعجم الوسيط: يقصد به الحيلولة دونه!
[4] ذكر البروفيسور علي عبد الرحمن بري أن (الأصل في العمل الطبي هو عدم الإضراب أو الامتناع عن العمل تحت أي ظرف). ورشة أخلاقيات المهن الطبية. جامعة الجزيرة. محاضر غير منشورة. 2001م.
[5] هذا التعريف هو اجتهاد من المؤلف، وقد تجد هناك عدد من التعريفات الأخرى في المصادر والمراجع المختصة.
[6] بتصرف يسير عن (فقه الطبيب المسلم). مرجع سبق ذكره. ص 22.
