قبل أن نبحر في فصول الكتاب قد يطرأ سؤال منطقي، وهو لماذا نحتاج أن تعرف إلى أدوارنا المقترضة، ما دام كل منا يعمل ما يقوم به باقتناع، أو حتى بالأمر الواقع؟
إن الجزء الأكبر من الإجابة يكمن في باقي الفصول والمقالات التالية، لكن لابد هنا من الإشارة إلى أن غياب رؤية الطلاب والقائمين على (إنتاجهم) من أساتذة وعمداء كليات، وتنشئتهم كأطباء في المستقبل، على حد سواء بهذه الأدوار يجعل التعليم الطبي في مجمله عملية تكرارية تعتمد بشكل شبه مطلق على التجربة والصواب والخطأ وكيفما اتفق. ليس الوضع كذلك، واسمحوا لي أن اقتبس أجزاء من منهج كلية طب في جامعة كندية اسمها Saskatchewan، لكي يعيننا على فهم الفرق؛ وذلك لأن الكثير منا طلاباً وأساتذة لا نفتح أذاننا إلا إذا قلنا الخواجات قالوا، أما هذا المسكين فلا سوامع له!!.
الأهداف العامة:
إن الطبيب المتخرج في كلية الطب بجامعتنا سوف يمتلك المعلومات، والمهارات، والمواقف الأساسية لكل الأطباء، بحيث يتمكن من المضي قدماً في أي مجال من مجالات العمل المهني.
إن الهدف الأساسي هي أن يكون الطبيب قادرا على تحديد، وتحليل، ومعالجة المشكلات السريرية بطريقة فعالة، وذات كفاءة، وإنسانية في توفير رعاية المريض.
إن الطالب المتخرج في كليتنا سوف يظهر جدارته في كل من المجالات التالية (والكلام ما زال للخواجات، وليس من عندياتي):
الطبيب كمتخذ للقرار: بحيث يستعمل معرفته بوظائف الجسم، وتطوره، ووظائفه، من منظور نفسي واجتماعي، بحيث يتمكن من شرح الظواهر السريرية، ومعالجة المشكلات الحيوية والسريرية. ويتمكن من شرح الحقائق والمفاهيم الأساسية للممارسة الطب الوقائي، إضافة إلى تطوير قدراته على تأويل العلامات السريرية لإعانته على الوصول إلى تشخيص، وتطوير مهارته على استكشاف هذه العلامات وتسجيلها، ومن ثم استعمال المعلومات التي تحصل عليها من المريض، أو من استعماله لأدوات الكشف والقياس ليستعملها في حل مشكلة المريض السريرية.
الطبيب كمثقف-متواصل-معالج Communicator/Educator/Humanist/Healer:
سيكون خريج كليتنا قادرا على إجراء حوار مع المريض لاستكشاف أحاسيسه، وأفكاره، وأن يؤسس لعلاقة مع المريض تتميز بالإحساس، والتعاطف، والصدق، وأن يبدي القدرة على التعاون مع المريض، وأن يجري الكشف عل المريض دون إحراجه، وأن يواءم خطط علاجه مع عمر المريض، وحالته العامة، واحتياجاته الخاصة، وتوقعاته، وخلفيته الثقافية، والتقدم الذي يحدث في الحالة. سيكون خريجنا قادرا على توصيل المعلومات، وشرح الحقائق بطريقة واضحة، ومختصرة، ومفهومة من قبل المريض، وأن ينصح (يثقف) المريض للتقليل من مصادر الخطر، ملتزماً بميثاق المهنة وشرفها.
الطبيب مناصراً للصحة: Health Advocate
خريجنا قادر على استعمال معرفته، ومهاراته للمشاركة في سلامة الأفراد والمجتمع، وأن يحدد المسؤوليات القانونية للطبيب لهم، ويطبق معايير كفاءة التكلفة cost-effectivenessفي أي إجراء صحي يتخذه.
الطبيب كعالم، ومتعلم Learner/Scholar/Scientist
على الطبيب أن يظهر مهاراته في التعلم الذاتي عن طريق معرفته لمواضع الخلل، والقوة في معرفته ومهاراته، وأن يجد الموارد التعليمية المواءمة، وأن يستطيع استخدام معارفه الجديدة في خدمة المريض، وأن يكون قادراً على التمييز والتقييم لما ينشر عن طريق التثمين التحريجي critical appraisal، وأن يكون قادرا على تقييم فعالية الممارسات السريرية الحالية، وأن يعمل على تطوير الجودة النوعية في المرفق الصحي
.
الطبيب متعاوناً Physician as Collaborator
على الطبيب أن يكون عضواً فعالاً في الفريق (الذي يعمل على توفير الصحة)، وأن يتعاون بفعالية مع المرضى، وعائلاتهم. عليه أن يصل إلى أرضية مشتركة عندما تختلف الآراء، وأن يتواصل بفعالية مع القرناء والزملاء في الدراسة، أو الأبحاث، أو تقديم الرعاية الصحية
.
الطبيب كمدير موارد Physician as Resource Manager/Gatekeeper/Steward
على الطبيب أن يشرح تركيب ووظائف النظام الصحي ومكوناته الأساسية، وأن يساعد المرضى على الوصول إلى الرعاية الصحية وإعادة التأهيل الجسماني، والنفسي، والاجتماعي، والرعاية طويلة الأمد . وعليه أن يعرف التضارب المحتمل في المصالح الصحية بين الأفراد والمجتمع، وأن يطلب النصح من الآخرين، بما في ذلك الأخلاقيين عند الضرورة، للمساعدة في حل المشكلات
.
الطبيب كإنسان Physician as Person
على الطبيب أن يعرف مصادر قوته (الشخصية)، ووجهات نظره وحدوده، ومناطق ضعفه، وأن يكون راغباً في طلب المساعدة، أو النصح، أو الاستشارة عندما يحتاجها. على الطبيب أن يتقبل حقيقة أنه لا يستطيع أن يقدم كل شيء لكل الناس.
بعد هذه المقدمة الكندية، فإننا سوف نستعرض في هذا الكتاب بإذن الله في تطواف أرجو ألا يكون مملا في هذه الأدوار، واستميحكم في أن اللغة ستتغير قليلاً، فهذا الكتاب مأخوذ جله أو كله تقريبا من بحثي المعنون (نحو مقاربة إسلامية للتعليم الطبي المتجه نحو المجتمع) وطبعا الاسم وحده يكفيك لتخيل الشكل والمحتوى، لكنني سأحاول عرض المكونات المقتبسة من الكتاب بطريقة سلسلة وأسهل لغة ممكنة. على أي أطمئنك بأنك لن تحتاج إلى المعجم الوجيز أو المعجم الوسيط إلا في كلمة أو كلمتين فقط!!