top of page

صباع كفتة!

  • Feb 25, 2014
  • 3 min read

شاركني أحد الشباب هداهم الله مقطع من احدى القنوات الفضائية الخاصة المصرية عن (فتح علمي) جديد عبارة عن جهاز يكتشف ويعالج الإيدز والالتهاب الكبدي الوبائي...

من حيث المبدأ أنا يسعدني بل وأتمنى أن نجد شفاء لهذين المرضين وغيرهما، ولهذين المرضين علاج وهنا تجدر الإشارة إلى عدد من الاحاديث في هذا الصدد، اختار منها ما ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شفاء". وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أَصَابَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ الله". وفي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ عَنِ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»، وَفِي لَفْظٍ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ دَوَاءً، إِلَّا دَاءً وَاحِدًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هُوَ؟ قَالَ: الْهَرَمُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

إذن ما لم يزعم احد انه يستطيع علاج الشيخوخة أو الموت فليس لنا أن نكذبه ابتداءا فيما قال، لكن هناك عدد من الضوابط التي يجب معرفتها فيما يتعلق بمثل هذه الأمور، وهي أن الأجهزة التي تشخص بها الأمراض أو علاجات هذه الأمراض ولا سيما العلاجات العقارية لا تخرج خبط عشواء وإنما لها منهجيات معينة تعتمد بعدها، واهمها ما تعرف بالتجارب السريرية (الإكلينيكية) المُعَشَّاة (Randomized controlled trials)، وسامحوني في الترجمة لكنها والله ليست ترجمتي!وهي تجارب يقوم فيها باحثون متخصصون بتجارب من 4 مراحل، بعد تجربتها على الحيوان وتشمل التجربة على متطوعين أصحاء ومن ثم يتم تجربتها على مرضى يتم توزيعهم بشكل عشوائي على مجموعتين، احدهما تأخذ الدواء الجديد وأخرى تأخذ دواءا شبيهاً أو لا دواء أصلا والمقصود بكونها معشاة بأن فرص المشاركين في أي يكونوا في هذه المجموعة أو تلك متساوية، وأنه لا المريض ولا الطبيب يعرف ما اذا كان يعرف يعطي المريض دواءا حقيقيا أو دواءا شبيهاً (أو لا دواء) حتى لا تتأثر نتيجة الدواء بالعامل النفسي اذا عرف الطبيب أو المريض المشارك في الدراسة انه يعطي أو يأخذ الدواء.

وبعد تكرار لهذه التجربة على اكثر من مجموعة ومن ثم تنشر في مجرت علمية مُحَكَّمة (أي يتم مراجعة أي مقال علمي يقدم للنشر فيها لمجموعة من المختصين في هذا المجال ليتأكدوا أن المنهجية صحيحة وان المعايير العلمية والأخلاقية مستوفاة في الدراسة)ن ومن ثم تنشر واذا تراكمت النتائج (الإيجابية) لهذا الدواء في عدد من المجلات العلمية المحترمة وقتها يمكن الحديث عن لهذا العلاج جدوى "محتملة"...إذن المسألة ليس (صباع كفتة) على الإطلاق كما قال اللواء الذي اعلن هذا الإعجاز!

واذا تركنا الجدية العلمية وتناولنا الموضوع من جانب "غياثي"، فإنني أطالب بفصل العلم عن العسكرية أشد مما يطالب العلمانيون بفصل الدين عن السياسة، وإليكم قصة واحدة تبرر زعمي هذا حدثت معي أنا شخصياً.كنت اقضي فترة الامتياز بعد تخرجي طبيباً (أي والله كنت طبيبا امشي في المستشفيات أقدل بمعطفي الأبيض وسماعتي الطبية) في دورة تدريب الباطنية في احدى المستشفيات التابعة لقوات نظامية، ولا داعي لذكرها ولا ذكر السنة لسببين، أهمها حتى لا تعرفوا كم أنا عجوز، والثاني رفعا للحرج عن الزملاء في تلك الوحدة اذا في زول شليق قرر يفتش في تلك السنة في الباطنية من كان يقوم بماذا؟جاءني مريض يشكو ارتفاع درجة حرارته في موسم الحميات المشهور في السودان وهو أول 12 شهر في السنة من كل سنة منذ 24 سنة،

وبعد سؤاله والكشف عليه أرسلته إلى المختبر بطلب فيه فحصين لا ثالث لهما: فحص الدم الشامل وفحص التيفويد.بعد نصف ساعة جاءني المريض ومعه نتيجة فحص الدم فقط، وسالته أين النتيجة الأخرى؟ قال لي أن فنية المختبر قالت ما في طريقة تعمله، فذهبت للفنية وسالتها سؤال الزميل للزميل بعيدا عن المريض: لماذا لم تعملي له اختبار التيفويد، فأجابت: عندي تعليمات من اللواء "قائد" المختبر أن أي مريض كرات الدم الأبيض عددها عالي ما نعمل له فحص تيفويد عشان أدوات فحص التيفويد غالية والمريض اذا عنده تيفويد تكون كرات دمه منخفضة...في الواقع كانت المنخفض الوحيد في هذا الحوار هو حالتي المعنوية مصحوبة بارتفاع في ضغط دمي، فسالتها بهدوء: هذا ليس دائماً واحدهما لا ينفي الآخر،

فقالت باستحياء اعرف، لكنها التعليمات... ثم فاجأتني بالحل... وقالت: أنا عندي حل...استبشرت وتهللت أساريري... أخيرا عادت زميلتنا لرشدها المهني... قبل أن تكمل عبارتها: دع اللواء قائد الباطنية يتحدث إلى اللواء قائد المختبر ربما استطاع إقناعه.... وبمنتهى العته قمت فعلا بتنفيذ توصيتها وتحدثت إلى اللواء ...

فأجابني الرجل بتهذيب:اسف يا ابني لا استطيع... احتراما للأقدمية فهو اصبح لواء قبل مني ب 3 شهور...

لا اطمأنوا لم اصب بالشلل... والدليل إنني اكتب هذا المقال، البركة في صحتكم انتم!!!ثم يأتي من يسالني لماذا تركت الممارسة الإكلينيكية وعن متعة التعامل مع المرضى؟!

غاية القول وخلاصته... وددت لو اني استطيع تصديق خبر الإعجاز العلمي الجديد لكن مع الأسف اذا لم اجد كرمه منشورا في (Lancet) أو (Nature) أو (New England Journal of Medicine) أو غيرهم من المجلات الرصينة، فالأمر لن يعدو عندي اكتشاف جديد لتناول صباع الكفتة...تصبحون على وطن J

 
 
 

Comments


Dr. Ghaiath Hussein موقع د. غياث حسين

© 2013 Ghaiath Hussein. All rights reserved unless stated otherwise.

  • Wix Facebook page
  • YouTube App Icon
  • Wix Twitter page
  • Wix Google+ page
bottom of page