top of page

تكفى يا ابو طوماس!

  • Jul 31, 2015
  • 3 min read

من اكثر ما يميز التعاملات الرسمية في السعودية "النظام".

وحتى لا يقودك حسن الظن بعيدا فيمكنك أن تسال انطباع أي شخص عاش في السعودية اكثر من 3 شهور ما تعني لك هذه الكلمة وأخواتها من قبيل "نظامي" ونظاما". ترتبط هذه الكلمة وأخواتها وبنات عماتها بالتعقيد الإداري الذي تمر به "المعاملات" الورقية من مكتب لمكتب لمكتب لمكتب... إلى نهاية السطر (وربما نهاية الصفحة).

ونظرا لأن معظم الناس ولاسيما أمثالنا من العاملين في المهن الصحية وأخواتها ليس لديهم السعة الذهنية ولا الوقتية لاستيعاب النظام أو التعامل معه، من قبيل أن تحمل أوراقك بمنتهى البراءة من شباك واحد إلى شباك اثنين إلى شباك ثلاثة، وتفاجأ في شباك أربعة بالموظف ينظر إليك مستاءا من غباءك الجم: "ايش إلي جابك هنا؟ روح شباك 7" ونظرا لأننا بالفعل لم نعمل عقولنا منذ أن كنا في الصف الأول الابتدائي فإن اقصى ما يمكن أن نجتهد فيه هو أن نستنج أن الشبابيك متراصة بأرقامها حسب تتابعها نظرا لان المعلومة الوحيدة الموجودة في الشباك هي الرقم وشماغ الموظف خلفه!

وهذه المعاملة "النظامية" ليست حكرا على الأجانب أو الوافدين بل بالعكس اثبت النظام انه لا يميز بين معاملة السعودي وغيره اللهم إلا اذا كان في الأمر واسطة وهذه أيضا لا تفرق بين سعودي واجنبي فقد يكون للأجنبي (ابن المحظوظة) واسطة اقوى من واسطة السعودي.

هذا ما خلق وظيفة عبقرية اسمها (المعقِّب) وهو شخص عبقري يستطيع أن يميز ترتيب الشبابيك ويعرف مداخل ومخارج الوزارات والإدارات والأقسام والوحدات وكل تشكيلات الجيش الإداري المكون للـ “نظام" إضافة إلى علاقاته المتشعبة وقدراته التفاوضية والتي تميزها عبارة (تكفى يا أبو مطلق!) أو يا أبو فلان كائنا من كان، وجزء من عبقرية المعقب معرفة غابات أشجار عائلات العاملين وقبائلهم وأولادهم ... كل هذا ليأتيك بعدها منتصرا وهو يحمل لك ورقة موقعة ومختومة تفيد بأنك ما زلت على قيد الحياة مثلاً.عندما جئت لبريطانيا للدكتوراه سبقني الوهم المعتاد إنني قادم لبد التطور وان كل شيء "كبسة زر" وقلت فرجت بعد أن كانت "كبسة رز"، لكن هيهات!

عندما كنت في السعودية:

*

هل كنت تتذمر من أوراق تثبت نظاميتك؟

هل كنت تتذمر من مداهمة رجال الأمن المباني بحثا عن المخالفين لنظام الإقامة؟

هل كنت تتذمر من خطاب الكفيل؟هل كنت تتذمر من الخروج والعودة؟

هل كنت تتذمر من انتظارك عند مدخل المطار للتأكد من نظاميتك؟

اذا كنت أجبت عن سؤال مما سبق ب(نعم)، اجعلها "نعمين ثلاثة اربع خمس نعمات" كما تقول قصيدة نعناع الجنينة الفلكلورية.

منذ أن جئت للدراسة في جامعة برمنجهام، وانا...استلموا

أقابل مشرفيَّ الاثنين كل شهر ليس فقط لأغراض أكاديمية، لا بل ليقولوا وبالنص وانا لا امزح

(yes, we have physically seen him)

نعم لقد رأيناه رأي العين، وأطعمناه ولم يسقط الطعام إذن لم يكون مجسما ثلاثي الأبعاد ثم صفعناه وتأوه أي أنه ليس روبوتاً!!!

يجب أن (أشاهَد) على الأقل مرة كل شهر-

اذا أردت السفر لمؤتمر أو حتى لجزء من دراستي أو حتى عطلة نهاية أسبوع خارج بريطانيا علي أن اقدم طلب للمشرفين، وهم يوافقوا ويكتبوا سبب قبولهم (نعم قرأتها بشكل صحيح سبب القبول وليس الرفض)، ثم ترسل للسكرتيرة والتي ترسلها لمكتب في الجامعة يعطيني بعدها خطاب فيه من أنا وانا طالب في الجامعة حتى تاريخه، وإنني مسافر لهذا البلد من تاريخ كذا إلى تاريخ كذا لهذا الغرض-

علي أن أجيب عن سلسلة طويلة من الأسئلة واظهر الخطاب المذكور أعلاه لضابط الجوازات والذي يسألنا أسئلة سمجة عن تخصصي (بالله عليكم دراستي عن الجوانب الأخلاقية في الدراسات التي تشمل الإنسان خلال النزاعات المسلحة)... كأنك تطلب مني شرح النسبية لابني يوسف ذو الخمس سنين!!

اذا طرأ طارئ جعلنا أغير الحجز ولو يوم علي إخطار الجامعة والتي بدورها ترسل لي خطاب بتاريخ جديد-

عندما أعود للجامعة علي أن اظهر بشكل يمكن رؤيته بالعين المجردة وليس عن طريق سكايب مثلا ويشهد المشرفان البالغان العدلان الثقتان انهما رأياني راي العين لا يضاران في رؤيتي وهما يضعان يديهما على الكتاب المقدس!!!

ونعم لقد رأيت سيارات شرطة الهجرة أمام مساكن طلاب للتأكد من نظاميتهم، بل وتداهم الاسواق للتاكد من عدم وجود عمالة وافدة غير نظامية قد لا يرحلوك كما هو الحال في السعودية لكنك لن توضع في الهيلتون قبل أن يرحلوك!

طبعا الآن تقول حلاتها السعودية ...وانا معك

من المفارقات أن مدينة برمنجهام هي من المدن التي تحتضن أعداد كبيرة من الطلاب السعوديين، فقلت في نفسي، والان أقولها لكم لقد انتصرت السعودية في غزو بريطانيا تماما ليس من باب (...) بل من باب النظام، لقد سعودتم بريطانيا يا رجل!!!

Trackers كل ما تبقى الآن فتح مكتب

ولست ادرى اذا كانت هذه هي الترجمة الأنسب للمعقب، ولا تندهش أبدا اذا رأيت بعد فترة "تراكر" إنجليزي ابيض اللون احمر الأذنين ينتقل من باب لباب ومن شباك لشباك يحاول إنهاء أوراق احد الطلاب وهو يقول (تكفى يا أبو توماس تخلص لي المعاملة... الرجال إقامته ما بقى فيها شيء)

غياث محمد عباس

برمنجهام (31 يوليو 2015م)

Comments


Dr. Ghaiath Hussein موقع د. غياث حسين

© 2013 Ghaiath Hussein. All rights reserved unless stated otherwise.

  • Wix Facebook page
  • YouTube App Icon
  • Wix Twitter page
  • Wix Google+ page
bottom of page